الشيخ عبد الغني النابلسي
133
كتاب الوجود
ذلك الوجود الذي ظهر به الكون قد اتصف به عنده فليس هو بعارف ، وأما ألا يدعى ذلك الشيء الموجود ، الذي ظهر به بألا يتصف به عند نفسه ، فهو قلب العارف ، وقد أطلق النبي صلى اللّه عليه وسلم على القلوب التي هي هكذا بأنها آنية اللّه تعالى في الأرض ؛ أي أوعية له تعالى « 1 » ، جمع : إناء ، وليس في ذلك معنى الحلول ؛ إذ القلوب لم تتصف بالوجود الذي تجلى بها وظهر حتى يكون حالّا فيها ، ونظيره ما ورد في الحديث : قال اللّه تعالى : « ما وسعني سماواتى ولا أرضى ، ووسعني قلب عبدي المؤمن » ، وهو وسع المعرفة الذوقية التي لا تعرفها العوام . وروى الديلمي أيضا ، وقال : رواه أبو نعيم ، وذكر إسناده عن عبد اللّه بن عمر - رضى اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن للّه ضنائن « 2 » من عباده ، يغذوهم في رحمته ، ويحييهم في عافيته ، فإذا توفاهم توفاهم إلى جنته ، أولئك تمر عليهم الفتن كقطع الليل المظلم ، وهم منها في عافية » « 3 » .
--> - عن الكون من حيث كونيته لا من حيث ظهور الحق فيه ؛ وذلك لعدم نفوذهم إليه في كل شيء لا لعدم ظهوره في كل شيء ، فإنه ظاهر في كل شيء حتى إنه ظاهر فيما به ، احتجب فلا حجاب » . ( 1 ) قال الشيخ ابن عطاء اللّه السكندرى في كتابه لطائف المنن ( ص 28 ، 33 ) : اعلم أن اللّه - سبحانه وتعالى - لما أراد إتمام نعمته وإفاضة فيض رحمته ، واقتضى فضله العظيم أن يمن على العباد بوجود معرفته ، وعلم سبحانه عجز عقول عموم العباد عن التلقي من ربوبيته جعل الأنبياء والرسل لهم الاستعداد التام لقبول ما يرد من ألوهيته ، يتلقون منه بما أودع فيهم من سر خصوصيته ، ويلقون عنه جمعا للعباد على أحديته ، فهم برازخ الأنوار . . . وختم بنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ثم جعل الحق سبحانه والدعاء إلى اللّه في أمته أبدا ، ودائما سرمدا بما ورثوا منه وأخذوا عنه ، وقد شهد لهم الحق بذلك ، وجعلهم أهلا لما هنالك . ( 2 ) هم الخصائص من أهل اللّه تعالى ، يضن بهم لنفاستهم عنده تعالى ، كما قال - عليه الصلاة والسلام - : « إن للّه ضنائن من خلقه ، ألبسهم النور الساطع ، يحييهم في عافية ، ويميتهم في عافية » [ المعجم الصوفي ( 156 ) ] . ( 3 ) قال بعض العارفين : « إن للّه عبادا كلما اشتدت ظلمة الوقت قويت أنوار قلوبهم ، فهم كالكواكب كلما قويت ظلمة الليل قوى إشراقها ، وأين نور الكواكب من أنوار قلوب أوليائه ، أنوار الكواكب تتكدر وأنوار قلوب أوليائه لا انكدار لها ، وأنوار الكواكب تهدى في الدنيا إلى الدنيا وأنوار قلوب أوليائه تهدى إلى اللّه تعالى » [ لطائف المنن ( 38 ) ] .